عثمان بن أبي بكر الدوني ( ابن الحاجب )
147
الإيضاح في شرح المفصل
ثمّ ذكر العامل فقال : « وكونهما مجرّدين للإسناد هو رافعهما » . وقد تقدّم أنّ العامل هو المعنى الذي يتحقّق به مقتضي الإعراب ، وللنحويّين في تعيينه ههنا مذاهب : فذهب البصريّون المتأخّرون إلى ما ذكره ، وهو كونهما مجرّدين للإسناد « 1 » ، وذهب المتقدّمون منهم إلى أنّ كون « 2 » المبتدأ مجرّدا عن العوامل اللفظية « 3 » للإسناد رافع له ، وهو والمبتدأ « 4 » جميعا رافعان للخبر « 5 » . وذهب الكوفيّون إلى أنّ المبتدأ عامل في الخبر ، والخبر عامل في المبتدأ « 6 » . فوجه الأوّل أنّه معنى اقتضى الأمرين جميعا اقتضاء واحدا في تحقيق ما به ثبت الإعراب ، فوجب أن يكون هو العامل فيهما ، كما في « ظننت » ، ولا بدّ من أخذ التجريد باتّفاق ، لأنّه لولا التجريد لانتفى ذلك المعنى الذي يكون هذا الإعراب منه « 7 » فوجب اعتباره . ووجه الثاني أنّه عدميّ ، فوجب أن لا يصار إليه على انفراده إلّا لضرورة ، ولا ضرورة تلجئ باعتبار الخبر ، فوجب أن يكون المبتدأ معه جزءا في العمل ، وهذا ليس بشيء في التحقيق ، فإنّه وإن كان عدميّا ففيه اعتبار الوجود ، وهو الإسناد ، فلم يكن عدما صرفا ، بل معه وجود ، فصارت
--> ( 1 ) هذا مذهب الجرمي والسيرافي والزمخشري وجماعة من البصريين ، وردّ ابن مالك على من قال بهذا القول في شرح التسهيل : 1 / 271 - 272 ، وأوضح الدماميني المقصود بالتجرد للإسناد فقال : « والفرق بين الابتداء والتجرد للإسناد أن التجرد للإسناد وصف هو التجرد مقيد بقيد واحد ، وهو كونه للإسناد ، أي إسناده إن كان خبرا أو وصفا رافعا لمكتفى به أو الإسناد إليه إن كان مبتدأ غير وصف وأن الابتداء عبارة عن أوصاف متعددة » تعليق الفرائد : 3 / 17 . ( 2 ) في ط : « يكون » ، تحريف . ( 3 ) سقط من ط : « اللفظية » ، خطأ . ( 4 ) في ط : « المبتدأ » ، تحريف . ( 5 ) صرّح المبرد بهذا الرأي في المقتضب : 2 / 49 ، 4 / 126 ، وابن جني في الخصائص : 2 / 385 ، ومذهب سيبويه أن المبتدأ مرفوع بالابتداء وأن الخبر مرفوع بالمبتدأ ، انظر الكتاب : 2 / 126 - 127 . ( 6 ) انظر مذاهب النحويين في هذه المسألة الأصول : 1 / 62 ، والإنصاف : 44 - 51 ، والتبيين عن مذاهب النحويين : 224 . ( 7 ) في د : « عنه » .